تراث وأصالةذاكرة المكان

من رفوفكم… حارات حلب القديمة

في ركن من رفوفكم لم تكن مجرد صورة… بل كانت رسالة حب مكتوبة بالضوء، وهدية من روح عاشقة إلى أرواح تبحث عن دفء الوطن.
أهدانا القنّاص المبدع صهيب عمراية لقطة من حارات حلب القديمة، فلم تكن عدسته مجرد ناقلة للصورة، بل كانت قلباً يرى ما لا يُرى، ويُشعرنا بما لا يُقال.

في تلك الأزقة العتيقة، حيث يتنفس الحجر عشقاً، ويهمس الجدار للجدار حكايات العاشقين، من منا لم تسر به خطواته حتى أثقله التعب، فوجد في حجرٍ من حجارتها الدافئة صدراً حنوناً يحتضنه، وأسند ظهره إليه كما يستند المرء إلى صدر من يحب، وأطلق لخياله جناحين يحلّق بهما حيث يشاء… حيث الوجوه التي نحب، والأصوات التي نشتاق، والأيام التي عبرت كالحلم الجميل وبقيت رجعاً في الروح.

هناك في حضن حلب، تختلط دموع الفرح بدموع الشوق، وتغدو الذكريات نهراً نغرف منه الحب غرفاً…
ذكريات الطفولة التي كانت تركض في تلك الأزقة حافية القدمين، وذكريات الصبا حين اخضرّت القلوب بأول حب، وذكريات الشيوخ الذين جلسوا على تلك الحجارة نفسها قبلنا بعقود، وتركوا فيها شيئاً من حنينهم، نحمله اليوم نحن عنهم، ونضيف إليه حنيننا، فيصير إرثاً من العشق يتوارثه العاشقون جيلاً بعد جيل.

وكما يردد المحبون للمدينة التي لا تموت، بقلوب تفيض عطاءً وحباً: “حين تضيع في شوارع حلب القديمة… ابقَ ضائعاً إلى الأبد”.
لأن هذا الضياع ليس تيهاً… بل هو العودة إلى الذات، والغرق في نهر الحب، والامتزاج بروح المدينة التي لا تكف عن العطاء.

شكراً من القلب لصهيب عمراية الذي أحب حلب فأعطاها عينيه، فأعطته عدسته سرها، فأهدى إلينا هذا الدفء الذي لا يُقدّر بثمن.

آلاء الشهابي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى