أقلام ورؤىمجتمع وحكاياتمنبر الشباب

صندوقُ الرّسائلِ الّذي لم يُفتَح… لمحمود أحمد الحاج علي

في حبر وقلم، نفتح هذا الأسبوع صندوقاً لم يُفتح من قبل… نص يليق بالمساء، ويحمل في سطوره ثقل الكلمات التي لم تُقَل، والرسائل التي انتظرت طويلاً.
ضيفنا اليوم كاتب ومؤلف سيناريو كتب عن الأشياء التي لا تُرى… تماماً كما في نثريته التي بين أيديكم.

“صندوقُ الرّسائلِ الّذي لم يُفتَح”
للكاتب: محمود أحمد الحاج علي – حلب

في مكانٍ ما، في ظِلِّ زاويةٍ نائيةٍ من هذا الوجودِ، ثمّةَ صندوقٌ صغيرٌ…
لا يراهُ أحدٌ، ولا يصِلُهُ أحدٌ، ولا يعلمُ بوجودِهِ إلّا القَدَرُ وحدَه.
صندوقٌ ليسَ مصنوعًا من خشبٍ ولا من حديدٍ،
بل من لحظاتٍ ضاعتْ، وكلماتٍ لم تُقَلْ، ومواقفَ طواها الصّمتُ
كما يطوي الموجُ رسالةً في قارورةٍ مكسورةٍ على شاطئ النّسيانِ.

في ذلكَ الصّندوقِ، ترقدُ رسائلُ لم تُفتَحْ يومًا:

رِسالةٌ من أمِّكَ، كُتِبَتْ بحِبرِ دَمعَتِها في تلكَ اللّيلةِ الّتي تأخّرتَ فيها،
تقولُ فيها:
“كُنتُ أَخافُ على قلبِكَ من البردِ، لا على جسدِكَ فقطْ…”

رِسالةُ حُبٍّ من أحدٍ أحبَّكَ بِعُمقِ الغيابِ،
لكنَّهُ حينَ اقتربَ، خافَ أن تَنهارَ الصّورةُ الّتي رَسَمكَ بها، فرَحلَ.
كتبَ:
“أحببتُكَ كما يُحِبُّ الغريبُ مدينةً لا يَملِكُ فيها بيتًا،
لكنَّهُ يَحفَظُ ملامحَ شوارعِها أكثرَ من سُكّانِها”.

رِسالةُ اعتذارٍ من صديقٍ أَخطأ،
لكنَّ كبرياءَهُ كان أثقلَ من كلمةِ: “عذرًا”،
وها هوَ يكتُبُها الآن، بعدَ أن فاتَ أوانُ العِتابِ:
“ما كنتُ أُجيدُ البقاءَ، لكنِّي أُتقِنُ النّدمَ”.

ورِسالةٌ من غريبٍ…
رآكَ يومًا تَبتسمُ لهُ في الطّريقِ، وكانَ يَنوي أن يُنهيَ حياتَهُ ذلكَ المساءَ.
كتبَ:
“ابتسامتُكَ كانتْ آخرَ ما أَقنَعني أنَّ الضّوءَ ليسَ خُرافةً”.

تُرى…
لو أُعطِيتَ يومًا مَفاتيحَ هذا الصّندوقِ،
هل كنتَ ستَفتَحُهُ؟
هل كنتَ ستَتحمَّلُ ثِقلَ ما فاتَ؟
أم كنتَ ستُغلِقُهُ مُجدّدًا، وتَكتفي بالحياةِ كما هي:
ناقصةٌ، صامتةٌ، وأحيانًا… مُنقِذةٌ بِصَمتِها؟

عن الكاتب:
محمود أحمد الحاج علي، مؤلف وكاتب سيناريو من مواليد دمشق عام 1987، خريج هندسة التحكم الآلي لكن الحرف كان قدره.

يكتب منذ المرحلة الثانوية، وإن كانت أعماله قبل الثورة تصطدم بالرقابة، فتصادر حقها في النور.

تخرج من معهد دراما أكاديمي لكتابة السيناريو في دمشق، وعاد اليوم إلى الكتابة بعد انقطاع طويل فرضته الظروف، يحمل في جعبته تجارب متعددة: حاصل على المركز الثاني في مسابقة “حلب مفتاح النصر” لكتابة القصة عن قصته “حلب حين تنفست الحرية”، والمركز الأول في عدة ملتقيات عربية عن قصصه “ساعة القيامة”، و”المقعد الأخير”، و”شرفة تطل على القيامة”، و”المقبرة رقم 13”.

حديثاً، أنهى تصوير فيلم “مجرد رقم” من تأليفه، ويتناول أحداث سجن صيدنايا.
وعلى خشبة المسرح، أبصر أول عمل مسرحي له النور عبر مهرجان مونودراما حلب المسرحي بنصه “قيد الحبر” الذي ترك صدى وأثراً لدى الجمهور.
وهو الآن يحضّر لمسلسل سوري في مدينة حلب، وعمل مسرحي جديد لمهرجان حلب المسرحي الذي ينطلق في أيلول القادم.


إذا كان لديكم نص أدبي وتشعرون أنه يستحق أن يرى النور… أرسلوه إلينا عبر رسائل الصفحة. حبر وقلم ينتظر إبداعكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى