
اللاذقية_ آلاء الشهابي
منذ أكثر من ثلاثة عقود اختار الفنان التشكيلي السوري تمام محمد أن يجعل من الرسم مساحة لاكتشاف الذات والعالم متكئاً على تجربة فنية بدأت من علاقة مبكرة بالطبيعة والذاكرة، وتطورت مع السنوات إلى لغة بصرية خاصة لا تنشغل بنقل الواقع كما تراه العين بقدر ما تبحث عما يختبئ خلفه من مشاعر وأسئلة وحنين.

وُلد تمام محمد في اللاذقية عام 1972، وبعد دراسته للفن تفرغ للرسم متنقلاً بأعماله بين معارض داخل سورية وخارجها في بيروت و دبي و ليبزيغ في ألمانيا، فيما اقتنت أعماله في عدد من الدول.
وأكد تمام لسيريون بلس أن علاقته بالرسم لم تبدأ من صورة بصرية محددة بقدر ما بدأت من إحساس حسي مرتبط بالمكان، ويستعيد الفنان رائحة الأرض بوصفها من أوائل الذكريات التي استقرت في داخله لما حملته من إحساس بالحياة والذاكرة والانتماء إلى جانب أصوات الريح بين الأشجار وهدوء القرى في المساء، ومن تلك التفاصيل اليومية تشكل وعي مبكر بأن للجمال لغة صامتة، وأن اللون قادر على الاحتفاظ بالإحساس ومنحه حياة جديدة فوق سطح اللوحة.
ولا يؤمن الفنان بطقوس ثابتة تسبق عملية الرسم بقدر ما يبحث عن حالة من الصمت الداخلي والإنصات، ويفضل أن يكون مرسمه هادئاً، فيما ترافقه الموسيقى التي يرى أنها تساعده على الإصغاء إلى إيقاع اللون أثناء تشكله.
ويصف محمد علاقته باللوحة بأنها حوار صامت بين الفنان والعمل موضحاً أنه لا يذهب دائماً إلى اللوحة بفكرة مكتملة يريد فرضها عليها بل يتركها تقوده أثناء العمل لتتحول عملية الرسم إلى رحلة يكتشف من خلالها شيئاً عن نفسه وعن العالم المحيط به.

وفي تجربته البصرية يحتل الإنسان موقعاً مركزياً لكنه يظهر غالباً بوصفه رمزاً أكثر من كونه شخصية محددة، فيما تحضر المرأة بصورة خاصة في عدد من أعماله، أما اللون فلا يؤدي وظيفة وصفية فحسب بل يتحول لديه إلى شعور وذاكرة وجزء من الحكاية.
هذه الرؤية تقود إلى مفهوم أساسي في تجربة تمام محمد يتمثل في أن اللوحة الناجحة لا ينبغي أن تقدم للمتلقي إجابة جاهزة، فالفنان يترك مساحة داخل العمل ليكملها المشاهد من تجربته الخاصة وذاكرته وذائقته المتراكمة، وبذلك يصبح المتلقي شريكاً في إنتاج المعنى.
أما رسالته إلى الشباب الذين يخطون خطواتهم الأولى في عالم الفن، فيضعها في صلب الممارسة اليومية؛ إذ يدعوهم إلى الرسم لساعات كل يوم قدر الإمكان ومن دون انقطاع، وإلى البحث عن صوتهم الخاص بدلاً من تقليد الآخرين لأن الهوية الفنية لا تُصنع مسبقاً، وإنما تولد تدريجياً مع العمل والاستمرار والصدق مع الذات.
وهكذا تصبح اللوحة في عالم تمام محمد أكثر من سطح يحمل الألوان إنها مساحة للإنصات، وذاكرة بصرية، وحوار مفتوح بين الفنان والمتلقي، وربما سؤالاً لا يكتمل إلا عندما يضع المشاهد تجربته الخاصة أمام العمل.






