مبادرات تصنع الأملمجتمع وحكايات

خميس الأمل… حين يكون قلب الأم وطناً لا يضيق بأحد

حلب_ آلاء الشهابي

في زاوية بلس إنسان، نقف اليوم أمام حكاية لا تشبه إلا أمهات سوريا… أولئك اللواتي يصنعن من الوجع ثورة، ومن الدمع نبع عطاء.
حكاية اليوم تبدأ من قلب موجوع، لكنها لا تنتهي إلا ببسمة خمسة وعشرين شاباً، وجدوا في “أم” ما لم يجدوه في مجتمع بأكم”أنا موجود… أنا أشارك”.. مبادرة وُلدت من رحم المعاناة لتُثبت أن الإعاقة لا تلغي الإنسان

في تفاصيل الحياة اليومية، حيث تكتشف الأمهات أن أبناءهن مختلفون، تقف الكثيرات حائرات لكن السيدة سوسن دوغان الأم السورية التي احتضنت ابنها المصاب بصعوبات التعلم، اختارت طريقاً آخر، فلم تكتفِ بالرعاية بل قررت أن تغيّر العالم من حوله.

راقبته عن كثب وهو يشارك في الأنشطة الرياضية مع رفاقه في مؤسسة الأولمبياد الخاص، فكانت ترى ما لا يراه الآخرون لم تكن مجرد بطولات سنوية عابرة، بل كانت ساحة يثبت فيها هؤلاء الفتية أن الإعاقة لا تعجزهم، وأن في داخلهم قدرات هائلة، وروح تنافسية لا تقهر، وإصراراً يليق بأبطال حقيقيين.

وفي لحظة صدق، تساءلت الأم بمرارة:
“كيف نؤسس لهم حياة كريمة؟ كيف نثبت وجودهم في مجتمع لا يثق بهم… بل ويخاف منهم؟”

وهنا جاءت الانطلاقة في العام 2020، حملت سوسن أسئلتها المؤرقة واتجهت إلى دورة تدريبية حول المبادرات، وهناك التقت الفكرة بالعلم، وامتزجت الموهبة بالألم، فانبثقت مبادرة “أنا موجود… أنا أشارك”.
لم تكن مجرد شعار كانت صرخة في وجه مجتمع اعتاد تصنيف أبنائه، كانت إعلاناً صريحاً أن هؤلاء الشباب موجودون ليسوا على الهامش بل في القلب.

بدأت المبادرة كمبادرة أهلية من المجتمع المحلي، تستهدف الشباب فوق الثامنة عشرة من ذوي الإعاقة الذهنية من متلازمة داون وصعوبات التعلم، فركّزت سوسن على تمكينهم مهنياً لا بالكلام، بل بالعمل.

لم يمضِ وقت طويل حتى أثبت الشباب أنهم قادرون تدربوا، أتقنوا مهناً مختلفة، وبدأوا في إنتاج ما يدهش العين والقلب، وشاركوا بمنتجاتهم في المعارض، ووقفوا خلف طاولات البيع، لا كحالة إنسانية تُشفق عليهم، بل كمنتجين، كصانعين، كأفراد يبيعون إبداعهم ويحصدون ثمن تعبهم.

تقول سوسن وقد امتلأ صوتها فخراً:
“مع مرور الوقت أصبح العدد حوالي 25 متدرباً ومتدربة واستمرت المبادرة 5 سنوات كاملة.”

في زمن صار فيه النجاح يقاس بالمال، تقف سوسن دوغان لتعلن أن أهداف مشاركة فريقها في المعارض كان أبعد من ذلك بكثير كل لقاء مع الجمهور هو خطوة نحو دمج حقيقي، يلتقي فيه الشباب مباشرة بشرائح المجتمع، فينكسر جدار الخوف، وتولد الألفة مكان الحذر، وكل قطعة تباع هي انتصار للثقة، حيث يرى الشاب نفسه قادراً ومنتجاً ومؤثراً في محيطه، لا مستقبلاً للإحسان.

هذه المشاركات تعيد رسم الصورة النمطية التي طالما ألصقت بهذه الفئة، وتؤكد أنهم ليسوا عبئاً على أحد، بل طاقة منتجة إن وجدت الرعاية والتدريب والتمكين.
وفي اللحظة التي يبيع فيها الشاب ما صنعته يداه، ويحصد ثمرة تعبه، تتجذر في داخله قيمة العمل، ويشعر بلذة العطاء، ويدرك مكانته الحقيقية كإنسان فاعل.
وحين يصبح منتجه مرغوباً، يتوفر له عائد مادي يساعده في تأمين احتياجاته، ليعيش كرامته كاملة غير منقوصة.

قصة سوسن دوغان ليست قصة نجاح تقليدية إنها قصة قلب أم اتسع حتى صار وطناً، هي قصة إثبات أن مجتمعنا السوري رغم كل الجراح، لا يزال يحمل في أحشائه خيراً لا ينضب.

اليوم أبناء سوسن بالروح أولئك الشباب الخمسة والعشرون، لا يحملون شهادة جامعية ربما، ولا يقرأون الكلمات كما يقرؤها الآخرون لكنهم يحملون في أعينهم بريق الإرادة، وفي أصواتهم صدى فرح الانتصار على الظلام.

الأم التي تصنع من جرحها وطناً لخمسة وعشرين شاباً، لا يمكن أن تُنسى… شكراً سوسن دوغان لأنكِ علّمتِنا أن الحب وحده يكفي… إذا صار فعلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى