خيري الذهبي… طفل الجمهورية والتوأم الذي عاش تقلباتها

حلب_ آلاء الشهابي
في إبداع منسي، نقف اليوم عند قامة أدبية شامخة، غادرتنا جسداً قبل أربع سنوات، لكنها بقيت بيننا فكراً وإبداعاً وأسئلة لا تهدأ.
إنه الأديب والمفكر السوري خيري الذهبي الذي رحل في الرابع من الشهر الحالي 2022 تاركاً وراءه إرثاً يليق بوطن اسمه سوريا.
وُلد في دمشق عام 1946في العام نفسه الذي بزغت فيه الجمهورية السورية، وكثيراً ما كان يقول إنه “توأم” الجمهورية، عاش تقلباتها، وتنفس أحداثها، وكتبها بروحه قبل قلمه.
غادر إلى القاهرة في الستينيات، ودرس في جامعتها حتى تخرج عام 1968.
هناك، تتلمذ على يد عمالقة الأدب العربي: يحيى حقي، ونجيب محفوظ، وطه حسين. تشرب منهم حب الكلمة، وجرأة السؤال، وقدسية الكتابة.
لكن الحياة كانت تخبئ له فصلاً آخر. في عام 1973، وأثناء خدمته العسكرية، وقع في الأسر لمدة ثلاثمئة يوم في فلسطين المحتلة.
هناك، حيث العزلة والظلمة والبرد، لم ينكسر، بل كتب، ومن تلك التجربة القاسية، وُلدت شهادته الأدبية والإنسانية: “من دمشق إلى حيفا” التي نال عنها جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلات.
إرث لا يُحصى… مشروع روائي وفكري متكامل:
لم يكن خيري الذهبي كاتباً عادياً، بل كان مشروعاً ثقافياً متكاملاً. تنوعت أعماله بين الرواية، والقصة القصيرة، والسيناريو التلفزيوني والسينمائي، والدراما الإذاعية، والبحوث التاريخية، ومقالات الرأي.
لم يكتب الرواية التاريخية التقليدية، بل جعل من التاريخ مادة خصبة لاستكشاف قضايا الإنسان والسلطة، وتميزت أعماله بـ “الدمشقية”، حيث كانت دمشق جغرافيته السردية وروحه الفاعلة، حاضرة في التفاصيل والروائح والأصوات.
من أبرز أعماله: “ثلاثية التحولات” التي ضمت “حسيبة” و”فياض” و”هشام”، ورواية “فخ الأسماء”، و”المكتبة السرية والجنرال”، و”الإصبع السادسة” التي عاد فيها إلى سوريا في زمن الحكم المصري، كما كتب القصة القصيرة في مجموعته “الجد المحمول”، والمقالات في “التدريب على الرعب”.
ولم تقف أعماله عند الورق، بل امتدت إلى الشاشة، حيث تحولت رواياته إلى أعمال درامية ناجحة، مثل “ملكوت البسطاء” و”الشاطر حسن” وفيلم “حسيبة”، فوصل صوته إلى جمهور أوسع.
رؤيته وفلسفته… الكتابة كفعل حرية:
كان خيري الذهبي يرى أن كل الروايات هي “التاريخ”، وأن على الكاتب أن يوازن بين الإخلاص للفن والإخلاص للتاريخ؛ وتميز أسلوبه بالسرد المرهف، والمزج بين الأدبي والتاريخي والعجائبي، والغوص في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الفرد والسلطة.
دافع عن الحرية والإنسان في كل ما كتب، وكان يرى الكتابة فعلاً من أفعال المقاومة، وشكلاً من أشكال البقاء.
تكريم وإرث… يمتد إلى اليوم:
نال خيري الذهبي وسام البطولة والشرف من الجمهورية العربية السورية، وتُرجمت أعماله إلى لغات أجنبية عدة.
واليوم، يخلّد ذكراه ابنه الكاتب فارس الذهبي، وابنته الإعلامية سهير الذهبي، وكل قارئ عاد إلى إحدى رواياته فوجد فيها شيئاً من روحه.
وفي مصادفة تحمل معنى عميقاً، يبدأ اليوم، في الذكرى الرابعة لرحيله، عرض مسرحية بروفة يوم الحساب على مسرح نقابة الفنانين، وهي من تأليف نجله فارس الذهبي، وبطولة الفنانة يارا صبري، وإخراج ماهر صليبي.
يستمر العرض ثلاثة أيام، وكأن والده لم يرحل، بل انتقل للتو إلى الخشبة.
رحل خيري الذهبي في باريس، بعيداً عن دمشق التي أحب، وقبل أن تتكحل عيناه برؤية بلاده حرة من الطغيان، لكنه بقي في كل سطر كتبه، وفي كل فكرة زرعها، وفي كل قارئ فتح إحدى رواياته فشعر أن أحداً ما يفهمه.



