“بروفة يوم الحساب”… حين تنهض الخشبة من تحت الركام

حلب_ آلاء الشهابي
قبل سنوات كانت الخشبة السورية صامتة، فغابت عنها الأصوات الجادة، وغاب الجمهور، وبقيت مقاعدها فارغة إلا من الغبار والذكريات لكن المسرح كالحياة، لا يموت.
أمس، أُسدل الستار على آخر عروض مسرحية “بروفة يوم الحساب” في مسرح نقابة الفنانين بحلب، ثلاثة أيام عاد فيها الجمهور إلى مقاعده، وعادت الخشبة إلى سؤالها الأبدي: كيف نعيش بعد كل هذا الألم؟

عن المسرحية… حين تصير العدالة سؤالاً
العمل من إنتاج وزارة الثقافة السورية – فرقة دمشق المسرحية، وهو من تأليف فارس الذهبي (ابن الأديب الراحل خيري الذهبي الذي أحيا ذكراه منشور الاثنين)، وإخراج ماهر صليبي، وبطولة الثلاثي المتألق: يارا صبري، روبين عيسى، وجابر جوخدار.
تنتمي المسرحية التي امتدت نحو 80 دقيقة إلى الدراما النفسية، وتغوص في سؤال العدالة الانتقالية بعد الحرب.
تدور أحداثها في قبو خياطة صغير، تعيش فيه امرأتان: “سما” (يارا صبري) التي ترفض الانتقام، و”ثريا” (روبين عيسى) التي عُذبت في سجون النظام وما زالت تحمل ندوبها في روحها قبل جسدها.
ذات يوم تحضر إحداهما رجلاً مكبل اليدين ومغمى عليه، يُدعى “فؤاد” (جابر جوخدار). تظن ثريا أنه جلادها السابق في المعتقل، فتنقلب المسرحية إلى محاكمة… هل هو حقاً من دمر حياتها؟ أم أن ذاكرتها تخونها؟ اعترافات، مواجهات، وأسئلة لا تحتمل إجابات بسيطة.

المسرحية مستوحاة من مسرحية “الموت والعذراء” للكاتب التشيلي آرييل دورفمان لكنها نُقلت إلى البيئة السورية بكل تعقيداتها وأسئلتها الملحة.
ماذا يقول صنّاع المسرحية؟
في تصريحاته، عبّر المخرج ماهر صليبي عن سعادته بالتفاعل الجماهيري الكبير الذي حققته المسرحية، مؤكداً أنها نجحت في إيصال رسالتها، هذا التفاعل بحد ذاته إجابة عن سؤال المسرح اليوم: الجمهور موجود، متعطش، ينتظر.
أما الممثلة روبين عيسى، فأوضحت أن العمل يحاول الغوص في عوالم الناجين النفسية، وإيصال معاناتهم التي لا تُرى، وقالت: “أن نلعب هذه الأدوار على الخشبة هو أن نمنح صوتاً لمن لا صوت لهم.”
المسرح اليوم… بين الحلم والتحدي
حكاية المسرح السوري اليوم هي حكاية من يزرع في أرض جافة، مؤمناً أن المطر آتٍ.
التحديات كثيرة: إمكانيات محدودة، صالات متضررة، جمهور أنهكته الحرب، ونصوص تحتاج إلى شجاعة استثنائية لكن الحلم أكبر.
كل عرض يُقام هو انتصار، كل ممثل يصعد إلى الخشبة هو شهادة أن الحياة لم تتوقف، وكل متفرج يجلس في مقعده هو تصويت للأمل.
“بروفة يوم الحساب” ليست مجرد مسرحية عن العدالة والماضي، بل هي بروفة حقيقية للمستقبل، بروفة لسوريا تحاسب نفسها وتتصالح مع جراحها، وتختار الحياة.



