الشللية أم الاحتراف؟.. سؤال الكواليس الذي يخشى الجميع الإجابة عنه

في كل موسم فني جديد، تتكرر نفس الوجوه، ونفس أسماء الفرق التقنية والإنتاجية حتى يبدأ المتابع بطرح السؤال نفسه: هل الموهبة وحدها لم تعد كافية للوصول؟ وهل استُبدلت معايير الكفاءة بمعايير “المعرفة” و”العلاقة”؟
هذا السؤال لا يُطرح هامشياً في الكواليس، بل يتردد بإلحاح متزايد كلما لاحظ الجمهور أن نفس المخرجين يعملون مع نفس الكتّاب، ونفس الممثلين يتصدرون الأعمال موسماً بعد موسم، فيما تبقى مواهب جديدة، رغم تكوينها الأكاديمي وأدواتها الاحترافية، خارج “الدائرة المقربة” بلا تفسير واضح.
وجهتا نظر متعارضتين:
أنصار الرأي الأول يرون في هذا التكرار “آفة” حقيقية تصيب الصناعة بالرتابة، وتحتكر الفرص لصالح مجموعة محدودة، مقابل إقصاء ممنهج لكل من هو خارج تلك الشبكة من العلاقات. في نظرهم، لا يكفي أن تكون موهوباً أو خريجاً أكاديمياً؛ يكفي أن تكون “معروفاً” من الجهة الصحيحة.
في المقابل، يدافع كثير من صناع القرار في الصناعة عن هذا النمط من العمل باعتباره ضرورة إنتاجية لا ترفاً. فريق يعمل معاً لسنوات يطوّر لغة مشتركة وتفاهماً ضمنياً يوفر الوقت والجهد في بيئة إنتاجية غالباً ما تكون مضغوطة بمواعيد نهائية صارمة وميزانيات محدودة. “الكيمياء الفنية”، من هذا المنظور، ليست محسوبية، بل عامل نجاح مُختبر.
أين يكمن الفرق الحقيقي؟
بين الرأيين، ثمة معيار عملي يمكن أن يفصل بين “التناغم المهني” و”الاحتكار المقنّع”: هل تتجدد هذه الدوائر بين حين وآخر لتستوعب أسماء جديدة، أم أنها مغلقة تماماً بلا أي مسار بديل للدخول إليها؟ وهل توجد قنوات معلنة وشفافة — من اختبارات أداء إلى منصات عرض للأعمال — يمكن لأي موهبة من خارج الشبكة أن تسلكها، أم أن كل الأبواب تمر حصراً عبر المعرفة الشخصية؟
حين تنعدم هذه القنوات البديلة كلياً، يتحول “التفضيل الطبيعي للعمل مع فريق مألوف” إلى إقصاء ممنهج، بغض النظر عن النوايا. وحين تبقى بعض المنافذ مفتوحة، ولو بشكل محدود، يصعب اختزال الظاهرة بأكملها في تهمة “الفساد”.
سؤال لم يُغلق بعد:
يبقى السؤال الأهم معلقاً: إذا كانت الموهبة والتكوين الأكاديمي لا يكفيان لفتح الأبواب، فهل ما نشاهده اليوم هو نتاج فني خالص، أم انعكاس لشبكة علاقات نجحت في تغليف نفسها بلغة “الاحترافية”؟
وهل الحل يكمن في مقاطعة هذا النمط من العمل، أم في مطالبة الصناعة بمعايير أكثر شفافية تفتح المجال أمام الأجيال الجديدة دون أن تُفرّط في قيمة الانسجام والخبرة المتراكمة بين فرق العمل؟
يبقى الجواب رهين تجربة كل صانع محتوى ومتابع على حدة، وربما في طرح السؤال نفسه علناً، بدل تركه حبيس أحاديث الكواليس، تكمن الخطوة الأولى نحو نقاش أكثر جدية حول مستقبل الصناعة الفنية.
حماده سميسم



