تراث وأصالةذاكرة المكان

حي البياضة في حلب القديمة… ذاكرة مدينة تحفظ العلم والعمارة وأصالة المكان

حلب_ آلاء الشهابي

يمتد حي البياضة بوصفه واحداً من أعرق أحياء المدينة القديمة عند الجهة الشرقية من قلعة حلب، حيث تختلط الحجارة العتيقة بحكايات العلماء، وتروي الأزقة الضيقة تاريخاً طويلاً من الحياة الاجتماعية والعلمية والدينية التي جعلت من الحي أحد أبرز معالم حلب التاريخية.

شكّل حي البياضة عبر قرون طويلة نقطة وصل بين قلعة حلب ومركز المدينة القديمة عبر باب الحديد، وأحاطت به أحياء تاريخية مثل الجبيلة وخندق القلعة ليصبح جزءاً أصيلًا من النسيج العمراني الذي ميّز حلب عبر العصور.

وتعددت الروايات حول سبب تسمية الحي؛ إذ يرجعها بعض المؤرخين إلى طبيعة تربته البيضاء الكلسية، بينما يربطها آخرون بخان اشتهر ببيع البيض، في حين تشير رواية أخرى إلى انتشار مهنة تبيض النحاس التي كان أصحابها يعرفون في اللهجة الحلبية باسم “البياضة”.

ولم يكن الحي مجرد تجمع سكني بل كان مركزاً علمياً ودينياً بارزاً، إذ احتضن عدداً من العلماء والخطباء والقضاة والأدباء، كما ضم معالم تاريخية مهمة من بينها المدرسة الأتبكية التي تضم ضريح مؤسسها شهاب الدين أتابك، و المدرسة الكلتاوية التي يعود تاريخها إلى عام 1385م، والتكية الإخلاصية الرفاعية التي أُنشئت في القرن السابع عشر إلى جانب حمامات البياضة وقبو النجارين.

ويبرز جامع الحموي باعتباره أحد أهم معالم الحي التاريخية، إذ يقع عند مدخله الشرقي مطلًا على قلعة حلب، وقد أنشأه الحاج محمد بن داود النوري المغربي عام 1560م، قبل أن يقوم الحاج حسن بن عبد الرحمن الحموي بتوسعته وتجديده وبناء مئذنته عام 1769م، ليحمل الجامع اسمه منذ ذلك الحين.

أما بيوت حي البياضة، فقد جسدت روح العمارة الحلبية التقليدية حيث انغلقت على الخارج حفاظاً على الخصوصية، وانفتحت على الداخل عبر باحة واسعة تتوسطها بركة ماء تحيط بها الغرف والإيوان المطل على الصحن.

وفي البيوت الكبيرة قُسمت المساحات بين “الزلملك” المخصص لاستقبال الضيوف، و”الحرملك” لسكن العائلة إضافة إلى مرافق الخدم، بينما زُينت الجدران والأسقف بالحجر المنحوت والرخام والخشب المزخرف، واشتهرت البيوت بالمشربيات الخشبية الدقيقة التي أضفت عليها طابعاً فنياً مميزاً.

وسكنت حي البياضة عبر تاريخه عائلات حلبية عريقة كان لها حضور علمي واجتماعي وديني بارز، من أبرزها آل الرفاعي، وآل الحموي، وآل الغوري، وآل الكوراني، وآل الحسبي، وآل الترمانيني، وآل سلطان، كما تشير بعض المصادر إلى سكن عائلات أخرى مثل آل أبيض، وآل أطلي، وعائلة فلارو.

ويبقى حي البياضة اليوم شاهداً حياً على تاريخ حلب بما يختزنه من عمارة أصيلة، ومساجد ومدارس وتكايا، وبما يحمله من ذاكرة مدينةٍ كانت ولا تزال إحدى أهم الحواضر الحضارية في المشرق.

تصوير: صهيب عمراية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى