
حلب_ وسام زكي
يفتح المؤتمر العلمي المنعقد اليوم في شهباء حلب نقاشاً واسعاً حول مستقبل سوريا ومرحلة إعادة الإعمار مقارباً هذا الملف بوصفه مشروعاً يتجاوز إعادة تشييد الأبنية والبنى التحتية ليشمل الإنسان والمؤسسات والاقتصاد والثقافة والمعرفة، فمن إعادة بناء الإنسان والتعليم إلى الاقتصاد والبيئة والسياحة والذكاء الاصطناعي.
ويجمع المؤتمر عشرات الأبحاث والدراسات التي تتناول إعادة الإعمار من زوايا أكاديمية وتخصصية مختلفة بمشاركة باحثين وأكاديميين في مجالات التربية والعلوم الاجتماعية والاقتصاد والهندسة والتكنولوجيا والإعلام والأدب والدراسات الشرعية، وذلك تحت رعاية جامعة الشام العالمية ومنظمة “IHH”.

الإنسان أولاً… والتعليم بوابة التعافي:
يضع عدد من الأبحاث الإنسان في مركز عملية إعادة الإعمار من خلال مناقشة إعادة بناء رأس المال البشري، وتعزيز الأخلاق والمواطنة، والرؤى المرتبطة بإعمار الإنسان وبناء الأوطان.
وفي موازاة ذلك، يحضر التعليم كأحد الملفات الأساسية في المرحلة المقبلة مع دراسات تبحث مدى قدرة المناهج التعليمية السورية على مواكبة متطلبات إعادة الإعمار والتنمية المستدامة إلى جانب تطوير طرائق التدريس، وتمكين المعلمين، وبرامج إعداد الطلبة المعلمين.
كما تتناول الأبحاث التعليم الدامج، والوعي الرقمي، والمنصات التعليمية، وإعادة بناء التعليم العالي، والتحديات التي تواجه الجامعات السورية فضلاً عن التقييم والتطوير المهني، واحتياجات الطلبة الجامعيين في مجال اللغة الإنكليزية، واستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي في التعلم.
الاقتصاد… إعادة بناء الموارد والقدرات:
ولا تنفصل عملية التعافي عن إعادة التفكير في الاقتصاد وإدارة الموارد إذ يناقش المؤتمر سياسات الدعم في الاقتصادات الخارجة من النزاعات، والاقتصاد المعرفي، وتنمية رأس المال البشري، وكفاءة الطاقة في الأبنية السكنية، والتجارة الخارجية والموارد المائية العابرة للحدود.
ويمتد النقاش إلى القطاع السياحي من خلال دراسات تبحث إعادة بناء السياحة في سوريا، ومن بينها دراسة تتناول الجامع الأموي في حلب واستعادة دوره الحضاري وإمكاناته في التنمية السياحية، إلى جانب الاستفادة من تجارب دولية في إعادة بناء القطاعات الاقتصادية خلال مراحل التعافي.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي… أدوات للمرحلة المقبلة:
وتحضر التكنولوجيا بوصفها إحدى الأدوات التي يمكن أن تسهم في إدارة عملية إعادة الإعمار وتطويرها مع أبحاث تتناول استخدام الفوتوغرامتري والمسح الليزري في عمليات إعادة البناء، وتصميم أنظمة منخفضة الكلفة لإنترنت الأشياء، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي وتصنيف الكوارث.
كما يناقش المؤتمر الخطة الاستراتيجية السورية للذكاء الاصطناعي إلى جانب موضوعات الطاقة الشمسية والمركبات الكهربائية ومعالجة مياه الشرب والصرف الصحي والهندسة الزلزالية وإعادة تأهيل الأبنية.
وتكشف هذه الموضوعات عن انتقال النقاش من سؤال إعادة البناء التقليدي إلى البحث في كيفية توظيف التكنولوجيا والابتكار لتكون عملية الإعمار أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على مواجهة المخاطر المستقبلية.
حلب… المكان والهوية والذاكرة:
وتحضر حلب في عدد من الدراسات التي يتضمنها البرنامج العلمي ليس باعتبارها مساحة جغرافية لإعادة البناء فقط، وإنما بوصفها مدينة تحمل إرثاً ثقافياً واجتماعياً يمكن أن يشكل جزءاً من عملية التعافي.
وتتناول إحدى الدراسات إعادة بناء الفكر التراثي وتعزيز الهوية الثقافية لدى أبناء المدينة، فيما تبحث دراسة أخرى الجامع الأموي في حلب ودوره الحضاري والسياحي.
كما يتناول البرنامج قضايا مرتبطة بالإطار المكاني والتقني والاقتصادي لمراكز خدمات الآلات الزراعية في المحافظة إلى جانب دراسات تضع الأدب والثقافة في سياق إعادة بناء المجتمعات واستعادة الذاكرة والهوية.
من إعادة بناء الحجر إلى إعادة بناء المجتمع:
وتتسع جلسات المؤتمر لتشمل الجانب الاجتماعي والثقافي من مرحلة ما بعد الصدمات عبر أبحاث تبحث استعادة الرواية السورية، ودور الأدب في إعادة بناء الدول والمجتمعات، والخيال الثقافي في رسم ملامح المستقبل.
وفي الجانب الهندسي والبيئي تتناول الأبحاث إعادة تدوير مخلفات البناء، والمرونة الزلزالية للأبنية، وأنماط الأضرار التي تعرضت لها المساجد الحجرية خلال زلازل عام 2023 إلى جانب التخطيط المكاني وإدارة المخاطر وإعادة بناء البنية الاجتماعية.
كما يحضر التحول الرقمي والتضليل المعلوماتي والشفافية والمساءلة إضافة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي في الجامعات السورية في صورة تعكس اتساع مفهوم إعادة الإعمار ليشمل المؤسسات وآليات العمل والمعرفة والثقة المجتمعية.
سؤال المؤتمر يتجاوز “كيف نبني؟” إلى “ماذا نبني؟“:
يكشف البرنامج العلمي للمؤتمر عن مقاربة متعددة الأبعاد لإعادة الإعمار، تجمع التعليم والصحة والاقتصاد والسياحة والبيئة والثقافة والإعلام والتكنولوجيا والحوكمة ورأس المال البشري ضمن مسار واحد.
فإعادة بناء سوريا وفق ما تعكسه عناوين الأبحاث المطروحة لا ترتبط فقط بإعادة تشييد ما تضرر، وإنما بإعادة التفكير في الإنسان والمؤسسات والاقتصاد والمدينة والهوية، والاستفادة من المعرفة العلمية في رسم خيارات المرحلة المقبلة.
ومن هذه الزاوية، يتحول المؤتمر من مساحة لعرض الأبحاث إلى منصة لطرح رؤى متعددة حول سوريا المقبلة حيث تلتقي المعرفة بالتخطيط، والابتكار بالتنمية، وإعادة بناء المكان بمحاولة استعادة الإنسان لدوره في صناعة المستقبل.






