حين عادت “الشهباء” إلى الضوء… كانت الألوان تسبق الكلمات

حلب_ آلاء الشهابي
في مدينةٍ اعتادت أن تحفظ ذاكرتها بالحجارة والقصائد، لم يكن إطلاق العدد الثاني والثلاثين من مجلة “الشهباء الثقافية” مجرد مناسبة ثقافية عابرة، بل بدا أشبه باستعادة صوتٍ غاب طويلاً عن المشهد الحلبي.
ففي مساء يوم أمس احتضنت دار الكتب الوطنية في حلب احتفالية عودة المجلة إلى جمهورها، حاملةً معها أول عدد يصدر بعد التحرير، وكأن المدينة قررت أن تكتب فصلها الجديد بالحبر والألوان معاً.
وخلال الحفل تحدّث مدير الثقافة في حلب أحمد وديع العبسي عن رؤية جديدة للمجلة تقوم على توسيع مساحة الحرية، والانفتاح على الأصوات الشابة، وتعزيز حضور الثقافة بوصفها جزءاً من الحياة اليومية للسوريين.
كما أشار إلى أن العمل على العدد الجديد بدأ منذ أشهر، قبل أن تؤخره تحديات لوجستية ومالية، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشهد انفتاحاً أكبر على التجارب العالمية والترجمة إلى جانب تطوير حضور المجلة في الفضاء الرقمي.

الفن يرسم لحظة الانطلاق:
لكن المشهد الأكثر حضوراً في تلك الأمسية لم يكن مكتوباً على صفحات المجلة بل وُلد أمام أعين الحاضرين.
حيث وقفت الفنانة التشكيلية الشابة أميرة الشرق قطماوي لترسم غلاف العدد مباشرةً، فيما كانت الخطوط والألوان تتشكل ببطء كأنها تعيد رسم ملامح مدينةٍ اختبرت الكثير وما زالت تصرّ على الحياة.
وترى قطماوي في تصريح لسيريون بلس “أن الفن يتجاوز حدود اللوحة التقليدية ليصبح مساحة للتعبير عن الذاكرة والهوية، مؤكدة أن مشاركتها في إعادة رسم غلاف الشهباء مباشرة أمام الناس تمثّل محطة خاصة في مسيرتها الفنية، وتعبيراً عن ارتباطها العميق بمدينة حلب”.
تجربة فنية متعددة المسارات:
تنتمي أميرة الشرق قطماوي المولودة عام ٢٠٠٢ إلى معهد التربية الفنية التشكيلية والتطبيقية في حلب، حيث تخرّجت عام ٢٠٢١ باختصاص الرسم والتصوير، وتمتلك خبرة تمتد لسبع سنوات في مجالات الفن التشكيلي المختلفة.
وتتنوع أعمالها بين اللوحات الزيتية الواقعية بتقنيات ثلاثية الأبعاد، والرسم والزخرفة على الزجاج والزخارف القيشانية، إضافة إلى توثيق الحارات والمعالم الأثرية على الصحون الفنية.
كما طوّرت أساليب خاصة في الرسم الواقعي على جذوع ومقاطع الأشجار الطبيعية وعلى الفليين إلى جانب اهتمامها بلوحات الحروفيات العربية والأعمال التشكيلية المنفذة بألوان الأكريليك.

حضور في المعارض والفعاليات الثقافية:
شاركت الفنانة الشابة في عدد من المعارض والفعاليات الفنية التي تناولت قضايا الهوية والذاكرة والتراث، من بينها مبدعات بأيادٍ سورية، وفي حضرة الزلزال، إضافة إلى معرض ذاكرة وأمل الذي أقيم في ذكرى تحرير سوريا وغيرها الكثير.
كما سجّلت حضوراً لافتاً في كرنفال شؤون الشباب حيث قدّمت أعمالاً مستوحاة من المدن السورية ومعالمها التاريخية من بينها قلعة حلب ومسجد الأطروش وخان الوزير مع التزامها بإنجاز لوحات حيّة على مدار أيام الكرنفال.
طموحات مستقبلية:
وتطمح أميرة الشرق قطماوي لإقامة معرضها الشخصي الأول لتجمع أبرز أعمالها الفنية في فضاء واحد، كما تشارك في إقامة دورات تدريبية للأطفال واليافعين في مجال الرسم الواقعي بهدف دعم المواهب الشابة وتطوير مهاراتها.
ومع صدور العدد الجديد من مجلة “الشهباء” تبدو حلب وكأنها تستعيد شيئاً من ألقها الثقافي الضائع في مشهدٍ يجمع بين شبابها المبدعين ومثقفيها وروادها، ويربط بين روح الحداثة وعبق التراث.
إن هذه العودة ليست مجرد إصدارٍ دوري يتجدّد بل هي محطةٌ تأسيسية لثقافةٍ سورية جديدة تضع الشباب في صلب اهتمامها، وتفتح ذراعيها لكل الأقلام والألوان التي آمنت بأن الفن والكلمة هما الطريق إلى النهضة.





