تراث وأصالةذاكرة المكان

المدرسة الحلوية في حلب… تسعة قرون تختصر ذاكرة مدينة متعددة الحضارات

حلب_ آلاء الشهابي

في قلب المدينة القديمة بحلب، وعلى مقربة من الجامع الأموي الكبير تقف المدرسة الحلوية شاهدة على تاريخ طويل تعاقبت خلاله حضارات وأديان وحقب سياسية تركت بصماتها على جدرانها وأعمدتها ونقوشها.

وتكتسب المدرسة أهميتها من كونها لا تمثل مرحلة تاريخية واحدة، إذ تشير المصادر الأثرية إلى أن موقعها كان جزءاً من كاتدرائية حلب الكبرى التي تعود إلى العصر البيزنطي قبل أن يتحول المبنى لاحقاً إلى مسجد ثم إلى مدرسة في عهد نور الدين محمود بن زنكي خلال القرن السادس الهجري.

وتذكر المصادر أن القاضي الحلبي ابن الخشاب أمر خلال حصار حلب في القرن السادس الهجري بتحويل عدد من الكنائس داخل المدينة إلى مساجد، وكان المبنى الذي تقوم عليه الحلوية من بينها، وعُرف حينها باسم مسجد السراجين.

مع تولي نور الدين زنكي حكم حلب بدأ تطوير المبنى ليصبح مدرسة علمية، وأضيف إليها إيوان للتدريس وغرف للطلاب والفقهاء مع تخصيص أوقاف لتأمين احتياجاتها.

ولم تكن الحلوية مجرد مكان للتدريس بل تحولت إلى واحدة من المدارس العلمية المهمة في حلب، واستقطبت العلماء والطلاب حتى وصفها الرحالة الأندلسي ابن جبير خلال زيارته لحلب في القرن السادس الهجري بإعجاب، مشيراً إلى جمال بنائها وإيواناتها وغرفها.

أما اسم الحلوية فتربطه روايات تاريخية بالأوقاف التي كانت مخصصة للمدرسة، وما كان يقدم للفقهاء والطلاب من الحلوى في مناسبات معينة إلى جانب الطعام والملابس ومخصصات أخرى.

ما يميز المدرسة الحلوية اليوم هو اجتماع عناصر معمارية تعود إلى فترات مختلفة داخل مبنى واحد حيث تضم المدرسة أعمدة وتيجاناً ذات خصائص تعود إلى المرحلة البيزنطية إلى جانب عناصر من العمارة الإسلامية التي تشكلت بعد تحويل المبنى إلى مسجد ثم مدرسة الأمر الذي يجعلها نموذجاً واضحاً لتراكم الطبقات التاريخية في مدينة حلب القديمة.

ومن أبرز عناصرها المحراب الخشبي، ويعد من أبرز نماذج الفن الخشبي الإسلامي في سورية، بما يحمله من زخارف هندسية ونباتية وكتابات قرآنية.

كما تضم المدرسة نقوشاً كتابية على مدخلها تعود إلى مراحل تاريخية مختلفة، وهو ما يعكس بدوره عمليات الترميم والتعديل التي شهدها المبنى عبر القرون.

لم يبق المبنى على حاله طوال تاريخه، إذ شهد عمليات ترميم وإعادة تأهيل في فترات مختلفة، من بينها ترميمات خلال أواخر العهد العثماني، وأعمال أخرى في القرن العشرين وصولاً إلى ترميمات حديثة هدفت إلى الحفاظ على عناصره المعمارية والفنية.

وتأتي أهمية المدرسة الحلوية اليوم ضمن أهمية أوسع تتمثل في الحفاظ على المدينة القديمة في حلب المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 1986.

وأُدرجت المدرسة الحلوية ضمن مشاريع إعادة تأهيل عدد من مواقع وأسواق المدينة القديمة في إطار الجهود الرامية إلى تثبيت المباني التاريخية والحفاظ على هويتها المعمارية وإعادة الحياة إلى النسيج العمراني التاريخي للمدينة.

وبين أعمدتها البيزنطية، وعمارتها الزنكية، ومحرابها الأيوبي، وترميماتها اللاحقة، تختصر المدرسة الحلوية جانباً من قصة حلب التي لم تُكتب في الكتب وحدها بل بقيت محفورة في حجارة مبانيها، فالمدرسة الحلوية ليست أثراً منفصلاً عن المدينة بل صفحة حية من تاريخ حلب تختزن في مبنى واحد أكثر من مرحلة من مراحل التحول الحضاري والعمراني الذي شهدته المدينة على مدى قرون.

تصوير: صهيب عمراية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى