تراث وأصالةذاكرة المكان

حارة القرناصية في حلب القديمة.. ذاكرة من العلم والعمارة تصارع النسيان

حلب_ آلاء الشهابي

في أزقة حلب القديمة المتعبة حيث تحكي الجدران قصصاً من صمد وارتحل تقف حارة القرناصية كواحدة من العلامات الفارقة في النسيج التاريخي للمدينة.

هي ليست مجرد ممرات ضيقة ودور سكنية متقادمة بل مختبر حيّ لتاريخ من العلم والتجارة والهندسة، تآكلت بعض ملامحه مؤخراً نتيجة مامر على المدينة وتحولات الحاضر الاقتصادية.

في قلب حي الفرافرة العريق أحد أقدم الأحياء التاريخية في مدينة حلب القديمة تقبع حارة القرناصية شاهدةً على أكثر من ثمانية قرون من الزمن.

تمتد هذه الحارة في موقع متميز عند آخر شارع السجن، وتتميز بأزقتها الضيقة والمتعرجة ودورها السكنية التي تعكس نمط العمارة الحلبية الأصيلة لتروي حكاية مدينة لم تفقد بريقها رغم تقادم السنين.

يتصدر المشهد في هذه الحارة معلمها الأبرز؛ جامع ومدرسة القرناصية اللذان يحملان اسم الحارة نفسها، ويعودان في تسميتهما إلى مؤسسهما الأمير بكتمر القرناصي الحلبي.

شُيد هذا الصرح في البداية كجامعٍ حوالي عام سبعمئة وسبعين للهجرة، ثم شهد تحولاً جوهرياً في وظيفته بعد نحو خمسة قرون عندما قام الحاج إسماعيل آغا بن عبد الرحمن أفندي شريف في عام ألف ومئتين واثنين وأربعين للهجرة بتحويله إلى مدرسة علمية، مضفياً عليه بذلك بُعداً معرفياً ظل ملازماً له لعقود طويلة.

ولم تكن هذه المدرسة مؤسسة تعليمية عابرة بل سرعان ما تبوأت مكانة مرموقة بين نظيراتها في حلب، إذ درّس فيها كبار العلماء وفي مقدمتهم الشيخ كامل الغزي مؤلف كتاب “نهر الذهب في تاريخ حلب”، وتخرج منها العديد من المشايخ الذين حملوا العلم إلى مختلف مناطق الشام.

أما حي الفرافرة الذي يحتضن هذه الحارة، فيمتد تاريخه لأكثر من ثمانمئة عام، وقد تعاظمت أهميته قبل نحو سبعمئة وخمسين عاماً ليتحول إلى مركز علمي وثقافي نابض بالحياة.

يكتنف اسم الحي شيئاً من الغموض التاريخي، إذ يشير بعض الباحثين إلى أن التسمية مستمدة من واحة الفرافرة في الصحراء الليبية، في حين يرى آخرون أنها تعود إلى بني فرفور.

وبعيداً عن أصل التسمية، فقد كان الحي مقصداً لكبار التجار والموظفين، وضمّ بين جنباته مدارس وحمامات أثرية شهيرة لا يزال بعضها قائماً مثل حمام السلطان.

إلا أن هذه المعالم العريقة لم تسلم من تداعيات مامر على حلب خلال السنوات الماضية حيث تعرضت الحارة والحي لأضرار متفاوتة لتتبدل ملامح أجزاء منهما بعد أن تحولت بعض المواقع إلى ورش عمل ومستودعات مستفيدة من قربها من سويقة علي المركز التجاري القريب.

ورغم هذه التحولات المؤلمة تظل حارة القرناصية وحي الفرافرة شاهدين حيين على عراقة حلب متشبثين بما تبقى من إرثهم المعماري والتاريخي في وجه تحديات الحاضر.

تصوير: صهيب عمراية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى