أقلام ورؤىمقالات الرأي

من الشهادة إلى المهارة.. هل يعيد سوق العمل تعريف الكفاءة؟

حلب_ آلاء الشهابي

لسنوات طويلة بدا الطريق إلى الحياة المهنية واضحاً ومحدداً: سنوات من التعليم المدرسي، ثم الجامعة، وبعدها شهادة يُفترض أن تكون بوابة العبور إلى الوظيفة والاستقرار المهني… لكن هذا التصور لم يعد بهذه البساطة اليوم.
ففي سوق عمل سريع التغير، أصبحت الشهادة الجامعية جزءاً من الصورة إلى جانب الخبرة العملية، والمهارات التقنية والشخصية، والقدرة على التعلم المستمر، وحتى القيم التي تحكم طريقة استخدام المعرفة والمهارات.
وفي المقابل، لا تزال هناك مهن لا يمكن ممارستها من دون تأهيل أكاديمي واضح، ما يجعل طرح السؤال بصيغة “الشهادة أم المهارة؟” غير كافٍ لفهم المشهد.


من هنا حاولت “سيريون بلس” الاقتراب من السؤال عبر آراء أكاديميين وطلاب وخريجين وأصحاب عمل: ماذا يريد سوق العمل فعلاً من الشاب؟ وهل أصبحت القدرة على الإنجاز أكثر أهمية من الورقة التي تثبت الاختصاص؟


المعرفة والمهارة والقيم.. ثلاثية تصنع الكفاءة:
يرى الدكتور فهمي الأحمد، الحاصل على ماجستير في الإدارة والرقابة المالية وماجستير في الصيدلة أن هناك ثلاثة محاور أساسية عند النظر إلى تميز الفرد في بيئة العمل، هي المخزون المعرفي، والمهارات، والقيم، معتبراً أن تطوير الإنسان لهذه الجوانب يزيد من تميزه عن الآخرين، وبالتالي من فرص بحث المؤسسات والمنظمات عنه.
ويولي الأحمد القيم والأخلاق أهمية خاصة، باعتبارها العامل الذي يتحكم بطريقة توظيف المعرفة والمهارات، موضحاً أن المؤسسة تستطيع تدريب الموظف على مهارات وأدوات محددة، بينما يبقى من الصعب جداً زرع القيم والأخلاق.
ويحذر من أن ارتفاع مهارة الموظف مع انخفاض مخزونه القيمي قد يحوله إلى مصدر خطر على المؤسسة، عندما يستخدم مهاراته وذكاءه لتحقيق مصالح شخصية بدلاً من توظيفها لمصلحة المؤسسة أو الصالح العام.
ويرى الأحمد أن التحصيل العلمي والشهادة يظلان جزءاً مهماً من منظومة الكفاءة إلى جانب المهارات الصلبة المرتبطة بالتخصص والأداء الفني، والمهارات الناعمة المرتبطة بالتعامل والسلوك والقدرة على العمل، فيما تزداد أهمية القيم في الوظائف الحساسة أو ذات الطبيعة السيادية.
وبذلك، لا تبدو الكفاءة المهنية بالنسبة إليه مجرد شهادة أو مهارة منفردة، وإنما حصيلة تفاعل ما يعرفه الشخص، وما يستطيع فعله، وكيف يستخدم ما يعرفه ويستطيع فعله.


الشهادة تفتح الباب.. لكنها لا تكفي:

من زاوية أخرى، ترى المهندسة أماني عبد القادر خريجة الهندسة المعلوماتية، أن الشهادة الجامعية ما زالت مهمة لفتح المجال أمام الخريج في سوق العمل لكنها ليست كافية وحدها، وتشير إلى أن الجامعة تمنح الطالب أساساً معرفياً لكنها لا توفر بالضرورة كل الخبرات التي يحتاجها في الحياة المهنية، الأمر الذي يجعل التطوير المستمر وتعلم مهارات إضافية ضمن الاختصاص ضرورة لمواكبة سوق العمل.
وترى عبد القادر أن الشهادة من دون خبرة عملية قد لا تكون كافية في حين يمكن للمهارة والخبرة أن تلعبا دوراً أساسياً في دخول سوق العمل.
وفي الوقت نفسه، تميز بين التخصصات موضحة أن هناك مجالات يمكن تطوير المهارات فيها من خلال الشغف والتعلم والممارسة، بينما تتطلب تخصصات أخرى كالطب تأهيلاً أكاديمياً لممارستها.
ومن وجهة نظرها، يمكن النظر إلى الشهادة باعتبارها إضافة مهمة تمنح الشخص أساساً واسم اختصاص لكنها تحتاج إلى أن تترافق مع خبرة ومهارة حتى تتحول إلى فرصة مهنية فعلية.


الدكتورة بسمة سكر: “لا تنتظر التخرج لتبدأ“
وتقدم الدكتورة بسمة سكر دكتوراه في الصيدلة رؤية تقوم على الجمع بين المسارين معتبرة أن وجود الشهادة الجامعية يولد لدى الشخص شعوراً، ولو نسبياً، بالأمان وبوجود فرصة للعمل في مجال الاختصاص حتى في حال عدم امتلاكه خبرة كافية أو عدم امتلاكه الجرأة على خوض العمل الحر.
وترى سكر أن العمل الحر من دون شهادة يحتاج إلى قدر من الإبداع والمبادرة لا يتوافر بالضرورة لدى الجميع، ولذلك فإن الحل ليس في التخلي عن التعليم الجامعي بل في عدم انتظار التخرج لبدء اكتساب الخبرة.
وتؤكد أن الطالب بحاجة إلى الجمع بين دراسته الجامعية والخبرة العملية في الوقت نفسه، بحيث يبدأ بتطبيق ما يتعلمه بشكل عملي الأمر الذي يساعده على فهم تطبيقات اختصاصه بصورة أفضل، ويتيح له اكتشاف المسار الذي يريد التوجه إليه بعد التخرج.
وتستعيد سكر تجربتها الشخصية، معتبرة أنها لو عادت إلى بداية مسارها لتمنت أن تبدأ العمل بالتوازي مع دراستها الجامعية حتى لو كان العمل بسيطاً لأن الاحتكاك المبكر بسوق العمل كان سيمنحها فرصة أكبر لاكتشاف قدراتها وتطوير أفكارها المهنية.
ولا ترى سكر أن على الطالب أن يحصر مستقبله في اختصاص جامعي واحد خصوصاً أن ظروف اختيار الفرع الجامعي ونتائج الثانوية العامة قد تقود أحياناً إلى تخصص لم يكن الخيار الأول للطالب.
وترى أن دخول تخصص مختلف لا يعني أن الطريق المهني قد أغلق بل يمكن للطالب أن يبدأ من حيث وصل، ويجمع الدراسة بالخبرة، ويكتشف مع الوقت مجالات جديدة يمكن أن يطور نفسه فيها.
كما تشدد على أهمية دور الأسرة في تشجيع الطالب وعدم التعامل مع التخصص الجامعي باعتباره حكماً نهائياً على مستقبله لأن الجمع المبكر بين الدراسة والخبرة قد يساعده على اكتشاف قدراته وتوسيع خياراته.


في ميدان العمل تظهر قيمة المهارة:
أما ساهر زيد، فيضع المهارة والخبرة في مقدمة العوامل التي يحتاجها الشخص بعد دخوله الحياة المهنية، ويرى أن قيمة الشهادة الجامعية تتراجع أمام متطلبات العمل الفعلية.
ويعبر زيد عن موقف حاد تجاه قيمة الشهادة في الميدان العملي معتبراً أن “الشهادة الجامعية تساوي الصفر في ميدان العمل” إذا لم تقترن بقدرة حقيقية على الأداء والإنجاز.
ولو عاد به الزمن إلى بداية مساره يقول إنه كان سيختار تخصص المحاسبة في إشارة إلى أهمية اختيار تخصص يرى أنه أكثر ارتباطاً بمساره المهني وفرص العمل.
ورغم اختلاف هذه الرؤية في درجة تقييمها لدور الشهادة، فإنها تعكس سؤالاً يواجهه كثير من الخريجين: ماذا يحدث عندما يصل صاحب الشهادة إلى سوق العمل ويكتشف أن ما يحمله من تأهيل أكاديمي لا يتحول تلقائياً إلى خبرة مهنية؟


طالب طب الأسنان: التدريب العملي يصنع الفارق

ومن داخل المجال الطبي، يرى أحمد عنجراني طالب السنة الثانية في طب الأسنان أن المهارة والخبرة العملية تلعبان دوراً كبيراً في نجاح الطالب بعد التخرج، ويشير إلى ما لاحظه خلال تجربته وبين الطلاب في السنوات الأعلى والخريجين، معتبراً أن التدريب العملي على المرضى والتعلم تحت إشراف طبيب أسنان ناجح وذي خبرة يمنح الطالب فرصة لتطوير مهاراته وتحويل المعرفة النظرية إلى ممارسة عملية.
وبالنسبة إلى عنجراني، فإن امتلاك الشهادة لا يعني بالضرورة امتلاك الخبرة المهنية التي يحتاجها الطبيب، ما يجعل التدريب والممارسة خلال سنوات الدراسة جزءاً مهماً من بناء الكفاءة.
وتكشف هذه الرؤية خصوصية المهن التي تعتمد على التطبيق المباشر حيث لا يمكن أن تكون المعرفة النظرية بديلاً عن الممارسة العملية، كما لا يمكن للمهارة العملية أن تلغي متطلبات التأهيل الأكاديمي.


صاحب مطبعة في حلب: “أريد أن أرى شيئاً ملموساً“
لكن ماذا يحدث عندما ننتقل من قاعات الدراسة إلى مكان العمل نفسه؟
صاحب مطبعة في حلب يقدم إجابة عملية ومباشرة، فبالنسبة إليه لا تمثل الشهادة الجامعية العامل الحاسم في قرار التوظيف بل يريد أن يرى شيئاً ملموساً من إنجاز الشخص المتقدم للوظيفة.
ويقول إن ما يهمه هو أن يرى عملاً فعلياً يستطيع من خلاله تقييم ما إذا كان المتقدم قادراً على تقديم إضافة حقيقية للمطبعة، والمساهمة في تطوير العمل وإنجاحه.
فبالنسبة إلى صاحب العمل، السؤال لا يتوقف عند: «ماذا درست؟»، بل ينتقل إلى: «ماذا تستطيع أن تفعل؟»
وهل يستطيع الشخص تحويل معرفته أو مهارته إلى إنتاج حقيقي على أرض الواقع، أم أنه يمتلك مؤهلاً ورقياً من دون قدرة كافية على أداء المهام المطلوبة؟
وتعكس هذه الرؤية جانباً مهماً من عملية التوظيف لدى أصحاب المشاريع والمنشآت التجارية والخدمية، حيث تظهر قيمة المهارة عندما تتحول إلى نتيجة يمكن قياسها وملاحظتها.


الإعلامي لا يحتاج إلى شهادة فقط:
أما وسام زكي خريج الصحافة والإعلام، فيرى أن الدراسة الجامعية مهمة لكنه يدعو إلى تطوير المناهج الدراسية لتصبح أكثر مواكبة للتطور والحداثة، وأن تتضمن جانباً أكبر لتعزيز المهارات.
ويشير إلى أن الإعلامي لا يحتاج إلى الشهادة فقط بل يحتاج إلى خبرات ومهارات عملية يبدأ باكتسابها خلال سنوات الدراسة حتى يصل إلى سوق العمل وهو أكثر جاهزية للممارسة المهنية.
ويرى زكي أن إدخال التطبيق العملي ضمن الدراسة يمكن أن يكون أكثر فائدة من انتظار الطالب إلى ما بعد التخرج للبحث عن دورات تدريبية.
كما يحذر من بعض الدورات التجارية التي تقدمها جهات أو مؤسسات تحت عنوان تطوير المهارات، بينما يكون هدفها الأساسي تحقيق العائد المادي معتبراً أن تطوير المهارات الحقيقية يحتاج إلى تدريب نوعي مرتبط بالممارسة الفعلية وليس بمجرد الحصول على شهادة دورة إضافية.


من “شهادة” إلى “إثبات قدرة”
:
تجمع هذه الآراء، رغم اختلافها، على نقطة تبدو واضحة: الشهادة وحدها لم تعد كافية في كثير من مسارات العمل لكنها لم تفقد قيمتها أيضاً.
ففي بعض المهن، تشكل الشهادة شرطاً لا غنى عنه، وفي مهن أخرى تمثل مدخلاً مهماً إلى سوق العمل، بينما تصبح الخبرة والقدرة على التطبيق عوامل أكثر حسماً عندما يبدأ الشخص بممارسة المهنة فعلياً.
أما أصحاب العمل، فيبحث بعضهم عن دليل عملي على قدرة المتقدم على الإنجاز سواء كان هذا الدليل خبرة سابقة، أو أعمالاً أنجزها، أو مهارات يستطيع إثباتها أمام صاحب العمل.
وهنا تظهر أهمية مفهوم “معرض الأعمال” في العديد من المجالات الحديثة؛ إذ يستطيع المتقدم أن يقدم نماذج حقيقية لما أنجزه بدلاً من الاكتفاء بذكر المهارات في سيرته الذاتية.
لكن حتى هذه المعادلة لا تنطبق بالطريقة نفسها على جميع المهن.
فالطبيب أو الصيدلي أو المهندس في المجالات التي تتطلب تأهيلاً وترخيصاً لا يستطيع تجاوز متطلبات الدراسة والتأهيل الأكاديمي بحجة امتلاك المهارة، بينما يستطيع العامل في بعض المجالات الرقمية أو الإبداعية أن يثبت جزءاً كبيراً من قدرته من خلال الأعمال التي أنجزها وخبرته العملية.


المشكلة ليست في الشهادة.. بل في تأخير الخبرة:
ربما تكون النقطة المشتركة الأوضح بين بعض الآراء التي جمعتها «سيريون بلس» أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في الشهادة نفسها، وإنما في الفجوة بين الدراسة والحياة المهنية.
فالطالب الذي ينتظر أربع أو خمس سنوات حتى يتخرج قبل أن يحتك بسوق العمل قد يصل إلى لحظة التخرج وهو يمتلك معرفة أكاديمية لكنه يفتقد الخبرة التي يطلبها صاحب العمل.
أما الطالب الذي يبدأ خلال دراسته بتجربة عمل، أو تدريب عملي، أو مشروع صغير، أو تطبيق حقيقي لما يتعلمه، فيمنح نفسه فرصة لاختبار ما يناسبه قبل التخرج.
وهنا تبرز فكرة الدكتورة بسمة سكر بوضوح: لماذا ينتظر الطالب الشهادة حتى يبدأ ببناء خبرته؟
قد لا يكون العمل الأول مثالياً، وقد تكون التجربة بسيطة لكنها يمكن أن تكون بداية لاكتشاف القدرات والميول وفهم طبيعة السوق.


الجامعة أمام استحقاق جديد:
لا يعني الحديث عن صعود المهارات أن التعليم الجامعي فقد أهميته.
بل ربما يضع التحول الحالي الجامعات أمام سؤال مختلف: كيف يمكن أن يحصل الطالب على المعرفة الأكاديمية والمهارة العملية في الوقت نفسه؟
تطوير المناهج، زيادة التدريب العملي، ربط الطلاب بسوق العمل، وتشجيع المشاريع التطبيقية يمكن أن تقلل المسافة بين المدرج الجامعي والمهنة.
كما أن على الطالب نفسه مسؤولية في استثمار سنوات الدراسة، وعدم التعامل مع الجامعة باعتبارها مرحلة تنتهي عند استلام الشهادة.
فالشهادة قد تكون بداية الطريق، وليس نهايته.


الخلاصة: «ماذا تستطيع أن تقدم؟»
تكشف الآراء التي جمعتها «سيريون بلس» أن الحديث عن اقتصاد المهارات»لا يعني نهاية الشهادة الجامعية، ولا يعني أن كل شاب يستطيع استبدال التعليم بالتعلم الذاتي.
المعادلة أكثر تعقيداً.
المعرفة تمنح الأساس، والشهادة تثبت مساراً تعليمياً، والمهارة تحول المعرفة إلى قدرة، والخبرة تختبر هذه القدرة في الواقع، بينما تحدد القيم كيفية استخدام كل ذلك.
وفي سوق عمل سريع التغير، قد لا يكون السؤال الأكثر دقة هو:
«هل الشهادة أهم أم المهارة؟»
بل:
«ماذا تستطيع أن تقدم فعلياً بما تعلمته؟»
وربما يكون التحدي الحقيقي أمام الجيل الجديد ألا ينتظر انتهاء الجامعة ليبدأ العمل، وألا يكتفي في الوقت نفسه بالمهارة من دون أساس معرفي متين.
فالمستقبل المهني وفق ما تعكسه هذه التجارب، قد لا يصنعه بريق الشهادة وحده، ولا المهارة وحدها، وإنما القدرة على الجمع بين المعرفة والخبرة والمهارة والقيم وتحويلها إلى أثر حقيقي على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى