سوق السقطية في حلب القديمة… ذاكرة تجارية تستعيد نبضها

حلب_ آلاء الشهابي
يمتد سوق السقطية كأحد الشواهد البارزة على عراقة المدينة التجارية وتداخل أسواقها وخاناتها وأحيائها في نسيج عمراني فريد، وذلك في قلب مدينة حلب القديمة وعلى مقربة من الجامع الأموي حيث يقع ضمن المنطقة التجارية المركزية للمدينة القديمة المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

ويبلغ طول سوق السقطية نحو مئة متر، ويرتبط عمرانياً بعدد من الأسواق والخانات المحيطة مما جعله جزءاً من شبكة تجارية متكاملة كانت تشكل لقرون القلب الاقتصادي لمدينة حلب، وتتميز بنيته المعمارية بالعقود الحجرية والقباب والأقبية المتقاطعة، فيما تنتظم الدكاكين على جانبي الممر المسقوف ضمن طابع حلبي تقليدي حافظ على كثير من ملامحه الأصلية.
وتشير الدراسات التاريخية والمعمارية إلى أن السوق بصورته الحالية يعود إلى العهد العثماني، ويرتبط تأسيسه بعام 1574 ضمن مجمع تجاري ارتبط بخان الجمرك، وقد ارتبط السوق منذ نشأته بتلبية احتياجات السكان اليومية إلى جانب ارتباطه بحركة التجارة القادمة إلى المدينة عبر الخانات والأسواق المجاورة.
أما تسمية السقطية، فتشير المصادر المتخصصة إلى ارتباطها بكلمة «السَّقَط» أو «السَّقَطات»، وهي تسمية ارتبطت تاريخياً ببيع الأحشاء ومخلفات الذبائح، إذ كان القصابون يشكلون جزءاً مهماً من أصحاب المحال في السوق إلى جانب تجار المكسرات والفستق الحلبي والفواكه والخضار والمواد الغذائية، وتبقى هذه الرواية أكثر توثيقاً من التفسير الذي يربط الاسم بالبضائع الصغيرة أو منخفضة القيمة، والتي تعرف بحلب باسم ” البضائع السقط”.
ويتألف السوق من عشرات المحال التجارية، وتشير الدراسات المعمارية إلى وجود 53 محلاً في أحد أقسامه الرئيسية، فيما تخصصت المحال تاريخياً في أنشطة متنوعة من الجزارة والمواد الغذائية إلى المكسرات والحبوب والتوابل قبل أن تتغير طبيعة بعض الأنشطة التجارية مع مرور الزمن.

وتشير مصادر حديثة إلى أن المحال التي أعيد تأهيلها في السوق عادت إلى العمل، بما يعكس قدرة المكان على استعادة وظيفته التجارية إلى جانب قيمته التراثية.
ولم يكن سوق السقطية بمنأى عن الدمار الذي طال مدينة حلب، فقد وثقت اليونسكو في عام 2017 أضراراً شديدة في نحو 60 بالمئة من المدينة القديمة مع تدمير كامل لنحو 30 بالمئة منها، وطالت الأضرار الأسواق والخانات والمعالم الدينية والتاريخية.
وتم ترميم هذا السوق نظراً لأهميته وربطه بين الأسواق المجاورة من سوق الحبال و سوق العبي و سوق العطارين، فلم تكن عملية الترميم مجرد إعادة بناء لجدران وأقبية متضررة بل محاولة للحفاظ على الطابع العمراني للسوق وإعادة تشغيله بوصفه مكاناً حياً للتجارة لا مجرد معلم أثري.
واليوم… يبقى سوق السقطية جزءاً من ذاكرة حلب التجارية؛ فبين القباب الحجرية و الدكاكين المتلاصقة وروائح المكسرات والتوابل والمواد الغذائية تتقاطع ذاكرة المكان مع حاضر المدينة.
ويشكل استمرار النشاط التجاري فيه أحد المؤشرات على أن الأسواق الحلبية لا تستمد قيمتها من حجارتها القديمة فحسب، وإنما من قدرتها على الحفاظ على وظيفتها الاجتماعية والاقتصادية وإبقاء قلب المدينة القديمة نابضاً بالحياة.
تصوير: صهيب عمراية






