فاتن نبغلي… حكاية مطبخ حلبي يسافر حول العالم

حلب_ آلاء الشهابي
حين غادرت الشيف فاتن نبغلي مدينة حلب قبل أربعة عشر عاماً، لم تكن تعلم أن رائحة البهارات الحلبية ونكهة الكبة السماقية سترافقانها في رحلة اغترابها لتصبحا فيما بعد جواز سفرها إلى قلوب ملايين المتابعين حول العالم.
ففي عصر تتزاحم فيه المحتويات الرقمية استطاعت فاتن أن تشق طريقها الخاص حاملة معها إرثاً طهوياً عريقاً، ومزجته بلمسة عصرية جذابة جعلت منها واحدة من أبرز صانعات محتوى الطهي في المنطقة العربية.
تنتمي فاتن إلى عائلة حلبية ارتبط اسمها بفنون المطبخ، وهي العائلة نفسها التي أنجبت الشيف سيفيم نبغلي لكن فاتن اختارت طريقاً مختلفاً، وإن كان يصب في الهدف ذاته التعريف بتراث المطبخ السوري، وتحديداً الحلبي، وإيصاله إلى جمهور عالمي يبحث عن الأصالة.
بدأت رحلتها الرقمية متواضعة سرعان ما تحولت إلى إمبراطورية متكاملة، وقد تميز محتواها بجودة بصرية عالية ومنهجية تعليمية واضحة جعلت وصفاتها في متناول الجميع من ربات البيوت إلى المبتدئين.
تقوم فلسفة الشيف فاتن على قاعدة راسخة هي الحفاظ على التراث وتجديده في آنٍ معاً، فهي من جهة تتعقب الوصفات القديمة المهددة بالنسيان، ومن جهة أخرى تعيد تقديمها بطريقة تليق بالمائدة المعاصرة.
ولعل أبرز ما يميزها هو شغفها بإحياء الأكلات الحلبية العريقة؛ فإلى جانب الكبة السماقية نجد المعجوقة الحلبية و الغربية وكباب الزبدة.
إنها لا تقدم وصفات فحسب بل تستعيد معها ذاكرة جيل كامل، وتمنح المغتربين فرصة لاستنشاق رائحة بيوتهم الأولى من وراء الشاشات.
هذا التفاعل العاطفي مع الجمهور هو ما يميز تجربة فاتن؛ إذ لا يكتفي متابعوها بالمشاهدة بل يشاركون صور محاولاتهم وتجاربهم، ويتشاركون ذكريات الطفولة المرتبطة بكل طبق، فيتحول الفضاء الافتراضي إلى ما يشبه مجلساً حلبياً دافئاً، ولم تغب فاتن عن الإعلام التقليدي حيث استضافها برنامج مذاقات للحديث عن الكبة السماقية ومكانتها في سلم الأطباق الحلبية.
اختتمت الشيف فاتن عامها بمحطة إنسانية بالغة التأثير حين جاءت زيارة إلى حلب بعد غياب دام أربعة عشر عاماً في لقاء حمل أبعاداً رمزية متعددة، فهو من جهة عودة الابنة إلى مدينتها التي ظلت تسكن وصفاتها طوال سنوات الغربة، وهو من جهة أخرى رسالة أمل لكل من اضطرته الظروف لمغادرة وطنه بأن الجذور لا تموت، وبأن الهوية الثقافية قادرة على البقاء والازدهار، طالما بقيت رائحة اليانسون والكمون تفوح من مطبخ صغير في مكان ما من هذا العالم.



